نحن اليوم لا نعيش حياتنا فحسب، بل "نعرضها" في واجهات رقمية براقة. لطالما كنتُ أتساءل:
هل نحن فعلاً سعداء بما نملكه؟ أم أننا أصبحنا مجرد مراقبين لحيوات الآخرين، نرتدي نظارات لا نرى من خلالها إلا ما اختاروا هم أن يظهروه لنا؟
إن مشكلة هذا العصر ليست في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في "فخ المثالية". نحن نرى عائلات تضحك بانسجام دائم، أمهات في صورة مثالية لا تشوبها شائبة،
وبيوتاً تبدو وكأنها لا تعرف طعم الخلاف أو التعب. هذا الضخ اليومي للمثالية الرقمية هو في الحقيقة "تزييف للوعي".
نحن نقارن كواليس حياتنا الحقيقية –بكل ما فيها من إرهاق وتفاصيل عادية– بـ "أفضل اللقطات" في حياة الغرباء.
أتذكر جيداً موقفاً تكرر أمامي كثيراً في جمعاتنا العائلية؛ نجلس معاً في نفس المكان، لكن الحقيقة أننا في عوالم متفرقة.
ألتفتُ حولي، فأجد صمتاً مطبقاً، لا يقطعه إلا صوت النقر على الشاشات.
كل شخص غارق في جهازه، يراقب حياة الآخرين خلف أسوار زجاجية، بينما تضيع اللحظة الحقيقية التي تجمعنا من بين أيدينا.
وفي تلك اللحظات، كنتُ أشعر بمرارة الفراغ؛ فكم من حديثٍ دافئ كان يمكن أن يولد في تلك الجلسة، لو أننا وضعنا هواتفنا جانباً ونظرنا في أعين بعضنا البعض.
إن هذا "الاستعراض" ليس إلا محاولة بائسة للبحث عن القبول. الإنسان بطبعه كائن اجتماعي يطمع في التقدير،
لذا تحولنا جميعاً إلى "محررين" لحياتنا؛ نقصّ منها كل لحظات الضعف، نخفي وجوهنا المنهكة، ونلمع ذكرياتنا لنبدو في نظر الآخرين أفضل مما نحن عليه. لكن ألا ندرك أننا بهذا نغتال واقعنا الحقيقي؟
عندما نتسمر أمام شاشاتنا لنراقب حيوات الآخرين، نحن لا نقتل الوقت فحسب، بل نقتل "الامتنان". نفقد القدرة على رؤية جمال تفاصيلنا الخاصة، دفء عائلتنا، ومصداقية مشاكلنا التي هي جوهر إنسانيتنا.
إننا بحاجة إلى "صحوة". نحتاج أن ندرك أن تلك المثالية التي تبرق على شاشاتنا ليست سوى "غلاف تجاري" لكتاب قد يكون فارغاً من الداخل. الروابط الأسرية لا تنمو بـ "الفلاتر" ولا بالتصوير، بل تنمو بالجلوس معاً، بالتحدث بصوتٍ عالٍ، وبتقبل أننا بشر، نخطئ، نتعب، ونختلف، وهذا هو قمة الجمال في علاقاتنا الحقيقية.
قبل أن نرفع الهاتف لنلتقط صورة أخرى لنثبت للعالم أننا سعداء، لنسأل أنفسنا:
هل نحن نعيش هذه اللحظة حقاً؟
أم أننا نبيع لحظتنا الحقيقية لنشتري إعجاباً عابراً في عالم لا يرى إلا ما يريد أن يراه؟
وفي النهاية: شكراً على ألقراءة وأتمنه فعلاً ان تدعمُوني ولو بشيء بسيط لـاستمر 🦢💗✨،




